لقاء الشيخ أحمد قنديل مع جريدة (صدى المشرق)

17 أبريل 2018
270 مشاهدة

لقاء الشيخ أحمد قنديل رئيس مجلس أئمة كيبيك وإمام مسجد الروضة بمونتريال

مع جريدة (صدى المشرق)
*الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على مولانا رسول الله محمد حق قدره ومقداره العظيم ،وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم بإيمان وعنا معهم بفضلك وجودك وسعة رحمتك يا أرحم الراحمين ، وبعد/*.

انطلاقا من قول نبينا الكريم- الله صلى الله عليه وسلم – ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله ) فإني أتوجه بخالص الشكر لجريدة صدى المشرق لإعطائي هذه الفرصة لأتحدث عن موضوع في غاية الأهمية ألا وهو المرأة في الإسلام.

حيث طلب مني أن أجيب عن بعض الأسئلة التي تخص المرأة المسلمة .
*وهذا هو البيان لما ورد لي من تساؤلات*

أولا : بالنسبة لمكانة المرأة في الإسلام

أقول وبالله التوفيق:.

إن الدين الإسلامي الحنيف قد أعلى مكانة المرأة ، ووضعها في المكان ، والمكانة التي تستحقهما حيث إن الإسلام انتشل المرأة من براثن الظلم إلى نور الإسلام ومن صفات الجاهلية إلى رفعة الآدمية*.

فالمرأة في الإسلام هي الأم وهي الأخت وهي الزوجة والابنة ؛ ومن ثم فهي في حقيقة الأمر أكبر وأعظم من أن توصف بكونها نصف المجتمع، فهي النصف فعلياً ولكنها صانعة النصف الآخر وهو الرجل. ولهذا ينبغي أن تحظى بالرعاية والمكانة التي وضعها المولى عز وجل فيها وهي لا تعدلها ولا تدانيها مكانة، لأن الإسلام جعل الجنة تحت قدميها، وأمر بالإحسان إليها حتى وإن كانت غير مسلمة.*

والمرأة المسلمة كانت أسيرة التقاليد الموروثة من عصور الجاهلية والتي ظُلمت فيها المرأة كثيرا وأهينت شخصيتها لدرجة أن بعض الناس يظن أن هذه التقاليد الموروثة هي الإسلام وهذا ليس بصحيح، لذلك نجد من يصور المرأة في الإسلام بصورة بعيدة كل البعد عما جاء به الإسلام تجاه المرأة المسلمة*

ومنذ مئآت السنين وينشر دعاة التغريب في العالم الإسلامي شعارات تحرير المرأة وكأن المرأة مقيدة ومكبلة وسجينة، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في دينهم والتعرف على حقوق المرأة المسلمة ودورها ومكانتها في المجتمع، فيعمل على إقرار هذه الحقوق بدلاً من السعي لتقليد الآخرين والنقل عنهم بصورة جزافيه.

هذا وعندما نتحدث عن مكانة المرأة في الإسلام ينبغي أن يكون مصدرنا الأول هنا كتاب الله وسنة وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.

*المرأة في القرآن الكريم*

 تعددت الآيات التي وردت في كتاب الله التي تتحدث بشكل مباشر عن المرأة ووزنها في المجتمع ومكانتها وحقوقها وواجباتها وأهميتها كعضو فاعل في المجتمع المسلم. كما ورد الحديث عنها بشكل مباشر في الكثير من المواضع في كتاب الله، وذلك على النحو التالي:
*(1) ففي سورة النساء قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)*
*(2) وفي سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)*
*وقال عز من قائل: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم منْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم منْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً)*
*وقال سبحانه (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً))*
*وللإسلام حكمة عظيمة من جعل حظ الرجل من الميراث ضعف حظ المرأة، نظراً لكونها غير مسؤولة عن توفير الدخل للأسرة، بخلاف الرجل الذي هو مسؤول عن الإنفاق والإعاشة والسكن. ومن ثم ففي الحقيقة لو تمعنا لأدركنا أن المرأة في الوضع الأفضل مقارنة بالرجل.*

*ثم إن لزم هنالك من توضيح لتتمة هذه الحالة التي علقت في عقول وأذهان الناس في الشرق والغرب من أن الإسلام انتقص المرأة حقها حيث جعلها ترث نصف الرجل وهذا ليس من الإنصاف في شيء، لأن المرأة إذا ورثت في حالات معينة ومحدودة نصف الرجل فهي في حالات كثيرة ترث مثل الرجل تماما، وفي حالات ترث المرأة أكثر من الرجل، بل إن الأكثر من ذلك أن هناك حالات ترث المرأة ولا يرث الرجل أصلا أي تحجبه عن الميراث، فهل من الإنصاف أن نتجاهل هذه الحقائق ونركز على أن المرأة في الإسلام ترث نصف الرجل؟!!

*والله تبارك وتعالى قال (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون) ( 97). ودل ذلك على تحقيق العدالة بين الرجل والمرأة في العمل والجزاء .
*ويتضح من تلك الآيات الكريمة كيف أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة ولم يفضل بينهما كما يدعي المغرضون أعداء القيم بل وأعداء الإنسانية.

ومن تمام الإكرام للمرأة أن الله تعالى جعل سورة تسمى بسورة (النساء ) ، وليس في القرآن سورة تسمى بسورة الرجال .

وأن في القرآن الكريم سورة باسم امرأة هي سورة ( مريم ) أم المسيح عليه السلام .
*والآيات والشواهد في القرآن كثيرة لكن نكتفي بهذا القدر مراعاة للحال والمقال.

*المرأة في السنة النبوية المطهرة.*
لا يمكن ونحن نتحدث عن مكانة المرأة في الإسلام أن نمر هكذا دون التوقف في محطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه وتقديره للمرأة، من خلال العديد من الأحاديث النبوية الشريفة، بل ومن خلال ممارساته العملية مع نسائه ونساء المسلمين.

*أولا : ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، ، والترمذي من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(النساء شقائق الرجال)*

*ثانيا :يقول -صلى الله عليه وسلم- رافعًا شأن المرأة، وشأن من اهتم بالمرأة على ضوابط الشرع: ” خياركم, خياركم لنسائهم، خيركم , خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” صلوات الله وسلامه عليه.*

*وتبين السنة النبوية أن المسؤولية للرجل وللمرأة في البيت على السواء دون تمييز بينهما ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ” كلكم راع وكل مسئول عن رعيته فالرجل راع في أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها”

*الخلاصة :

أن الإسلام كرم المرأة ، ودافع عن حقوقها ، فهي لها مثل ما للرجل ، وعليها ما على الرجل مع بعض الاختلافات اليسيرة في الأحكام لاختلاف طبيعة الرجل عن طبيعة المرأة ، واختلاف وظيفتها أحيانا عن وظيفته*.

*وهناك من الآيات والآثار الكثير والكثير الذي توضح للمرأة حقوقها في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية ، وأن لها ذمة مالية خاصة عن الرجل ، وأنها تملك حق التصرف وحدها في أموالها*

أما عن موقف الإسلام من عمل المرأة:

فقد كفل الإسلام للمرأة حق العمل كالرجل إن دعت إليه الحاجة.

وهذا الحق جاء واضحا في كتاب الله تبارك وتعالى ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن )فنسب الكسب والاكتساب للرجل والمرأة .

وفي قصة ابنتي شعيب عليه السلام في القرآن الكريم اللتان كانتا تعملان بجانب أبيهما وكان شيخا كبيرا.

وأما في السنة فقد عملت كثير من النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بشرهن النبي بالأجر العظيم فقال ( أطولكن طاقة أعظمكن أجرا ).

وكانت الشفاء بنت عبدالله القرشية تعلم النساء القراءة والكتابة ، وقد ولاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحسبة في السوق ، وهي وظيفة مهمة تمنع بمقتضاها الغش والاحتكار .

ومن هنا لا يجوز أن تمنع المرأة من العمل ، وأن تشارك في بناء المجتمع ،لأنها كاملة الأهلية والحرية ولا يجوز منعها من العمل إن أرادته ولكن مع مراعاة الضوابط الآتية :

1- أن لا يتعارض العمل مع وظيفتها الأساسية، في القيام بشؤون البيت، وواجبات الأمومة والزوجية.

2- أن تكون مجالات العمل ملائمة لطبيعة المرأة وتكوينها البدني والنفسي، بعيدة عن النشاطات الشاقة المضنية، أو التي تتطلب السهر، أو السفر، أو الابتعاد الطويل عن الأبناء والأسرة.

3- أن تخرج المرأة إلى عملها في الهيئة الشرعية التي أقرها الإسلام.

السؤال الثالث : ما الحكم في حالة تعارض عمل المرأة مع التزامها بدينها ؟

المرأة المسلمة التي تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا عليها أن تتقي الله في دينها وأن تلتزم بأوامر الله عز وجل ولا تتساهل في التزامها بدينها من أجل العمل، أو غيره، لأنها تعلم أن الأرزاق بيد الله ، وأن ما أصابها لم يكن ليخطأها ، وما أخطأها لم يكن ليصيبها فشرط أن تخرج للعمل أن تلتزم بدينها وأوامر ربها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا،خاصة ونحن نعيش في بلد يحافظ على الحقوق والحريات ، ولا يفرق بين الناس بسبب ألوانهم أو أعراقهم أو أجناسهم ، أو ملابسهم أو عقائدهم.

وبما أن المرأة في الإسلام حينما تقرر العمل بحريتها وبإرادتها وتختار ما يناسبها، فإن ذلك لا يتعارض مع التزامها أصلا لأنها اختارت ما يناسب طبيعتها، والتعارض يكون في حالة إجبار المرأة لأن تعمل في عمل معين دون رغبتها وهذا لا يقبل شرعا ولا قانونا، إذ أن الشرع يكفل حرية اختيار العمل الذي تستطيع أن تخدم به المجتمع والإنسانية والقانون كذلك، ويبقى أن تختار المرأة ما يناسبها من عمل ويلائمها، أما إذا افترضنا على سبيل الافتراض أنه تعارض مع شخصيتها أو التزامها فهذا شيء وارد وطبيعي، ولا يقتصر على الالتزام الديني من عدمه، فتارة غير المتدين أو غير الملتزم دينيا لا يناسبه عمل معين ولا يتناغم معه فيبحث عن بديل، فالقضية ليست خاصة بالالتزام من عدمه فالمعول عليه هو نوع العمل ومدى انسجامه نفسيا وجسديا ومهاريا مع العامل، ثم إن هذا التنوع الفكري والعقلي والإدراكي والمهاري هو سنة الحياة لتكتمل منظومة العمل الإنساني التي تهدف إلى تحقيق الخير للمجتمع وتبلور صورة المواطنة الحقيقة في أسمى وأرفع معانيها متمثلة في إعطاء الفرصة للجميع.

*وبالنسبة لمواجهة المرأة للإسلاموفوبيا من وجهة نظر الدين؟

فصحيح أن الإسلاموفوبيا لا تفرق بين الرجل والمرأة ، وأنها بدأت تتزايد في الأونة الأخيرة بسبب جهل الناس في بلاد الغرب بسماحة الإسلام وحقيقته ومبادئه ، وبسبب الصورة المشوهة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام ، والتي يستخدم فيها بعض الفكر المتطرف لبعض المسلمين كأنه حقيقة، مع أنه ليس له علاقة بصحيح الإسلام.
غير أن المرأة تتحمل النصيب الأكبر في مواجهة الإسلاموفوبيا نظرا لتميزها بسبب زيها أو حجابها.

ولكن المرأة وحدها لا تستطيع محاربة الإسلاموفوبيا ، لذلك يجب أن يعمل الأفراد من خلال مؤسسات المجتمع المدني السياسية والإعلامية والتي تهتم بحقوق الأقليات ومن يواجهون التمييز والكراهية من أجل دينهم أو لونهم .

وعلى سبيل المثال لا الحصر أقدم الشكر الخالص للمنتدى الإسلامي الكندي ( فورم) على دورهم في محاربة الإسلاموفوبيا وغيرها من المؤسسات الكندية التي تعمل ضد التمييز والكراهية وهي موجودة.

وعلى المرأة المسلمة التي تتعرض لأي شكل من أشكال الاسلاموفوبيا أن تتصل بتلك المؤسسات ، وأن تتصل بالبوليس الكندي إذا تعرضت لأي حالة من الحالات الكراهية ،أو العنف .

*والذي يدعو إلى التفاؤل أن المجتمع الكندي عموما مجتمع مسالم محب للغير حريص على الأمن والسلم المجتمعي ومراع للتعددية الدينية والعيش المشترك، ودور الحكومة لا ينكر في هذا الصدد حتى وإن بدت بعض التصرفات المعادية للمسلمين، ونحن دائما نقول أن أفضل محاربة للإسلاموفبيا يكون ببيان وإبراز صورة الإسلام الصحيحة، لأن الإنسان عدو ما يجهل.

وحول اضطرار المرأة للسلام باليد وحكمه واضطرار المسلمة إلى التواجد في أماكن فيها خمر:

ففي المصافحة خلاف بين علماء المسلمين .

بعضهم حرمها بالكلية ، وبعضهم أجازها إذا أمنت الفتنة ، على أن لا تبدأ المرأة المسلمة بالمصافحة ، فإذا اضطرت إليها ، وأمنت الفتنة فلا بأس في ذلك ، وعلى المرأة المسلمة أن تبتعد عن المصافحة للرجال ما استطاعت ، وعلى الغير أن يراعي ثقافة واختلاف الآخرين.

ثم إننا نريد أن نلفت النظر لشيء مهم بل هو الأهم وهو السلام والسلامة في الفكر والمنهج السلام المجتمعي والسلام الداخلي والسلام في سائر الحياة، السلام الذي يعطي سياجا لحياة آمنة في المجتمع، لأنني لا أظن السلام باليد من عدمه يسبب إشكالا أو إضرارا في المجتمع فنحن ننشد ما هو أبعد من ذلك وهو السلام في التصرف والسلام في المواقف والسلام بين الأفراد والسلام بين الفرقاء والسلام بمفهومه الأشمل والأوسع والذي نحن في مسيس الحاجة إليه، أما بالنسبة لبعض الأحكام الدينية فهي موجودة في كل الأديان وهي محل احترام وتقدير لثقافة الآخر في مجتمع يعلي مبادئ الحرية.

أما عن اضطرار المرأة المسلمة إلى التواجد في أماكن يوجد فيها خمر 
فلا بأس في ذلك إذا اضطرت إليه على أن تتجنب الجلوس على طاولة يوجد عليها الخمر لما أخرجه أحمد عن عمر والترمذي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر”.

هذا والله عز وجل أعلى وأعلم ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
والله من وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *